مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )

66

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )

وبمقارنة أدب الدعاء في الإسلام مع ما كان سائدا من الأدب العاطفي الإلهي والعبادي في رقعة البلاد الإسلامية قبل الإسلام ، يمكننا أن نفهم مدى عظمة تلك النهضة بل الثورة التي بعثها الإسلام في الأفكار من العمق والشمول واللطف والرقة . إن الإسلام صنع من أولئك الذين كانوا يعبدون الأوثان أو الإنسان أو النيران أو الثيران ، فكانوا بقصر أفكارهم يعبدون ما ينحتون بأيديهم ، أو يهبط به إلى مستوى إنسان أب أو ابن أو أم ، أو هم معا ، أو يصنع ( لأهورا مزدا ) صنما ينصبه في كل مكان فيعبده ويسجد له . . . من هؤلاء ، صنع أناسا وسعت عقولهم لأدق الأفكار وألطفها وأسمى التصورات وأعلى المعاني . فما الذي حدث فغير الأفكار والعقول ورفعها وأعلى كعبها ، وقلب الموازين والمقاييس والقيم . إن المعلقات السبع و ( نهج البلاغة ) نتاجان لعهدين متقاربين بين الجاهلية والإسلام ، وكل منهما مثل أعلى للفصاحة والبلاغة في لغة عصره ومصره . أما من ناحية المحتويات فهيهات هيهات وشتان شتّان فكل ما في الأول أوصاف عن الخيول والرماح والجمال والجمال والمدح والذم والهوى والغرام والغزل والنسيب والتشبيب بالعيون والحواجب للكواعب وأما الثاني ففيه اسمى المفاهيم الإنسانية وأعلاها وأزكاها وأطيبها وأنماها . والآن لتتضح لنا صورة العبادة في ( نهج البلاغة ) نأخذ في ذكر نماذج من كلمات الإمام ( ع ) ، ونبدأ كلامنا هنا بكلمة منه ( ع ) في إختلاف تصورات الناس عن العبادة . عبادة الأحرار « إن قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجار ، وإن قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار » . « لو لم يتوعد اللّه على معصيته ، لكان يجب أن لا يعصى شكرا لنعمته » .

--> ( 1 ) الكلمات القصار ، الحكمية : 234 ص 68 ج 19 من شرح ابن أبي الحديد .